همسات خلف الجدران

الصفحة الرئيسية

همسات خلف الجدران: 


لم يكن أحد يجرؤ على الاقتراب من ذلك المنزل المهجور في أطراف الحي. كان يقف وحيدًا، كأنه شاهد صامت على أحداث لا يريد أحد تذكرها. الجدران متشققة، والنوافذ مكسورة، والباب الخشبي يصرخ كلما داعبته الرياح. ومع ذلك، لم يكن مظهره المخيف هو السبب الوحيد الذي أبقى الناس بعيدين عنه… بل تلك القصص التي كانت تُروى همسًا، وكأن مجرد ذكرها قد يجلب شيئًا غير مرغوب فيه.


في إحدى الليالي الباردة، قرر سامي، شاب في العشرين من عمره، أن يتحدى هذه الخرافات. لم يكن يؤمن بالأشباح أو الأرواح، وكان يعتقد أن كل ما يُقال مجرد أوهام تناقلها الناس عبر السنين. حمل مصباحًا صغيرًا وهاتفه، وتوجه نحو المنزل تحت ضوء القمر الخافت. كان الصمت يحيط بالمكان بشكل غريب، حتى أصوات الكلاب في الحي بدت وكأنها اختفت فجأة.


عندما اقترب من الباب، تردد للحظة. لم يكن خوفًا حقيقيًا، بل شعورًا غامضًا لم يستطع تفسيره. دفع الباب ببطء، فصدر صوت صرير حاد كأنه احتجاج على دخوله. داخل المنزل، كان الظلام كثيفًا، والهواء باردًا على نحو غير طبيعي، رغم أن الليل لم يكن شديد البرودة في الخارج.


تقدم سامي خطوة تلو الأخرى، يضيء طريقه بالمصباح. كانت الأرضية مغطاة بالغبار، لكن ما لفت انتباهه هو آثار أقدام… حديثة. تجمد في مكانه للحظة، ثم حاول إقناع نفسه بأن أحدهم ربما دخل قبله. تابع السير، لكن إحساسًا غريبًا بدأ يتسلل إلى داخله، كأن هناك من يراقبه.

وصل إلى غرفة في نهاية الممر، كان بابها مفتوحًا قليلًا. دفعه ببطء، وإذا به يجد غرفة شبه فارغة، إلا من مرآة كبيرة موضوعة على الحائط. اقترب منها، ونظر إلى انعكاسه، لكنه شعر بشيء غير طبيعي. كان وجهه شاحبًا، وعيناه تبدوان أعمق مما ينبغي… وكأن الانعكاس لا يطابقه تمامًا.

أدار رأسه سريعًا، لكنه لم يرَ أحدًا. عاد لينظر إلى المرآة… وهنا توقف قلبه للحظة. لم يكن وحده في الانعكاس.

خلفه، كان يقف ظل غامض، ملامحه غير واضحة، لكنه طويل ونحيل بشكل مخيف. تجمد سامي، غير قادر على الحركة أو حتى الصراخ. حاول أن يقنع نفسه بأنه يتخيل، لكنه عندما رمش بعينيه، كان الظل لا يزال هناك… بل أصبح أقرب.

استدار بسرعة، لكن لم يكن هناك أحد. عاد لينظر إلى المرآة، فوجد الظل أقرب من قبل، حتى كاد يلمس كتفه. بدأ تنفسه يتسارع، وقطرات العرق تتجمع على جبينه. حاول الهروب، لكن قدميه لم تستجيبا له.

وفجأة، سمع همسًا خافتًا بالقرب من أذنه.

لم تكن كلمات واضحة، بل أصوات متقطعة، كأنها تأتي من مكان بعيد… أو من داخل الجدران نفسها. أغمض عينيه بقوة، محاولًا تجاهل الأمر، لكن الهمسات ازدادت وضوحًا. كانت تردد اسمه… "سامي… سامي…"

فتح عينيه ببطء، ونظر إلى المرآة للمرة الأخيرة. هذه المرة، لم يكن يرى نفسه فقط… بل رأى ذلك الظل يبتسم.

صرخ بكل قوته، وركض نحو الباب، متعثرًا في طريقه. خرج من المنزل دون أن ينظر خلفه، واستمر في الركض حتى وصل إلى الشارع. توقف ليلتقط أنفاسه، وقلبه يكاد يخرج من صدره. عندما تجرأ أخيرًا على الالتفات، رأى المنزل كما هو… صامتًا، مظلمًا، وكأنه لم يحدث فيه شيء.

لكن الأمر لم ينتهِ هناك.

في تلك الليلة، عندما عاد إلى غرفته، حاول إقناع نفسه بأن ما حدث مجرد وهم. جلس على سريره، وأخذ هاتفه، محاولًا تشتيت تفكيره. لكن فجأة، انطفأ الضوء. عمّ الظلام المكان، وبدأ قلبه ينبض بسرعة من جديد.

سمع نفس الهمس… هذه المرة أقرب.

رفع رأسه ببطء، ونظر نحو المرآة في غرفته. كانت مظلمة، لكنه استطاع أن يرى انعكاسه… ومعه ذلك الظل.

ابتسم الظل مرة أخرى، لكن هذه المرة… لم يكن في المنزل المهجور.

بل كان معه.

ومنذ تلك الليلة، لم يعد سامي كما كان. أصبح صامتًا، شاحب الوجه، يتجنب النظر في أي مرآة. وكان يقول دائمًا، بصوت مرتجف:

"بعض الأبواب… لا يجب أن تُفتح أبدًا."

google-playkhamsatmostaqltradent