الباب الذي لا يُغلق:
في نهاية شارع ضيق، حيث تقلّ الأضواء وتختفي الأصوات تدريجيًا، كان هناك منزل قديم لا يلتفت إليه أحد. لم يكن مهجورًا بالكامل، لكنه لم يكن مأهولًا أيضًا… أو هكذا كان يعتقد الجميع. كان أكثر ما يميّز ذلك المنزل هو بابه الخشبي الكبير، باب ثقيل بلون داكن، يبدو وكأنه صمد في وجه الزمن، لكنه يحمل في داخله سرًا لم يُكشف.
انتقلت ليلى إلى ذلك المنزل بعد أن ضاقت بها الحياة في المدينة. كانت تبحث عن الهدوء، عن مكان تستطيع فيه أن تبدأ من جديد. لم تهتم كثيرًا بالتحذيرات التي سمعتها من الجيران، ولا بتلك النظرات الغريبة التي كانت تُلقى عليها كلما ذكرت عنوان منزلها الجديد.
في الليلة الأولى، بدا كل شيء طبيعيًا. رتّبت أغراضها، وأعدّت لنفسها كوبًا من الشاي، وجلست قرب النافذة تتأمل الظلام. كان الهدوء عميقًا لدرجة أنها شعرت وكأن العالم قد توقف. لكن مع منتصف الليل، سمعت صوتًا خافتًا… كأن أحدهم يطرق الباب.
ترددت للحظة، ثم نهضت ببطء. لم تكن تتوقع أحدًا في هذا الوقت المتأخر. اقتربت من الباب، وسألت بصوت منخفض: "من هناك؟" لكن لم يأتِ أي رد. فتحت الباب بحذر… ولم تجد أحدًا.
أغلقت الباب، وعادت إلى مكانها، محاولة تجاهل ما حدث. أقنعت نفسها أنه مجرد وهم أو صوت من الرياح. لكن بعد دقائق قليلة، تكرر الطرق… هذه المرة أقوى.
نهضت بسرعة، وقلبها ينبض بعنف. فتحت الباب مجددًا، لكن المشهد كان نفسه: لا أحد. بدأت تشعر بعدم الارتياح، لكنها قررت أن تتجاهل الأمر وتذهب للنوم.
في منتصف الليل، استيقظت فجأة على صوت الباب… وهو يُفتح ببطء.
جلست في سريرها، وعيناها متسعتان من الخوف. كانت متأكدة أنها أغلقته بإحكام. سمعت صوت احتكاك الخشب بالأرض، وكأن الباب يُدفع من الخارج… أو من الداخل.
تسللت خارج غرفتها بخطوات حذرة. كان الظلام يملأ المكان، لكنها استطاعت أن ترى الباب مفتوحًا قليلًا. اقتربت ببطء، وكل خطوة كانت تبدو أثقل من التي قبلها. وعندما وصلت إليه، دفعت الباب لتغلقه… لكنه لم يتحرك.
وكأن قوة خفية كانت تمنعه.
فجأة، شعرت ببرودة شديدة خلفها، كأن أحدهم يقف قريبًا جدًا. تجمدت في مكانها، ولم تجرؤ على الالتفات. لكن الصوت جاء هذه المرة واضحًا، همسًا خافتًا بالقرب من أذنها:
"لا تُغلقيه…"
صرخت ليلى، وابتعدت عن الباب بسرعة، ثم أغلقت نفسها في غرفتها. بقيت هناك حتى الصباح، غير قادرة على النوم، تحاول فهم ما حدث. وعندما أشرقت الشمس، بدا كل شيء عاديًا مرة أخرى. الباب مغلق، ولا يوجد أي أثر لما حدث.
في الأيام التالية، حاولت ليلى تجاهل الأمر. أقنعت نفسها أنها كانت تتوهم. لكن كل ليلة، في نفس التوقيت، كان الباب يُطرق… ثم يُفتح.
وفي كل مرة، كانت تسمع نفس الهمس.
بدأت تفقد قدرتها على النوم. وجهها شحب، وعيناها امتلأتا بالإرهاق. لم تعد تشعر بالأمان في منزلها. قررت أخيرًا أن تسأل أحد الجيران عن تاريخ هذا المكان.
ترددت العجوز التي تسكن في البيت المجاور، ثم قالت بصوت منخفض: "ذلك الباب… ليس عاديًا. منذ سنوات طويلة، كان يعيش هنا رجل غريب. لم يكن يختلط بأحد، وكان دائمًا يتحدث عن باب… باب لا يجب أن يُغلق أبدًا."
توقفت للحظة، ثم أضافت: "في إحدى الليالي، سمعنا صراخه. وعندما دخلنا المنزل، وجدناه… ميتًا. والباب مفتوح."
شعرت ليلى بقشعريرة تسري في جسدها. عادت إلى منزلها وهي تفكر في كل ما سمعته. قررت أن تترك المكان في أقرب وقت ممكن.
لكن في تلك الليلة، حدث شيء مختلف.
لم يكن هناك طرق.
بل كان الباب مفتوحًا منذ البداية.
وقفت ليلى في نهاية الممر، تنظر إليه بخوف. لم تكن تجرؤ على الاقتراب. لكن فجأة، بدأت تسمع خطوات… قادمة من خلف الباب.
خطوات بطيئة، ثقيلة، تقترب تدريجيًا.
تراجعت إلى الخلف، وقلبها يكاد يتوقف. ومع كل خطوة، كان الظلام خلف الباب يزداد عمقًا، وكأنه يبتلع الضوء من حوله.
ثم… ظهر شيء.
لم يكن إنسانًا، ولا ظلًا عاديًا. كان شكلًا مشوّهًا، يتحرك بطريقة غير طبيعية، وكأنه يحاول الخروج… أو الدخول.
صرخت ليلى، وركضت نحو الباب محاولة إغلاقه بكل قوتها. دفعت، وصرخت، وبكت… حتى نجحت أخيرًا في إغلاقه.
ساد الصمت.
سقطت على الأرض، تلهث، غير قادرة على الحركة. ظنت أن الأمر انتهى.
لكن بعد ثوانٍ قليلة…
سمعت صوت الطرق من جديد.
هذه المرة… من داخل المنزل.
ومنذ تلك الليلة، لم يرَ أحد ليلى مرة أخرى. لكن الجيران يقولون إنهم ما زالوا يسمعون طرقًا خافتًا على ذلك الباب كل ليلة…
وكأن شيئًا ما… ما زال ينتظر أن يُفتح.
