ما لم يُقال

الصفحة الرئيسية

ما لم يُقال: 


في مدينة تعيش على إيقاع الصمت أكثر من الضجيج، كانت هناك قصة لا يسمعها أحد، لكنها تُشعر كل من عاشها بثقل لا يُحتمل. قصة عن كلمات لم تُقال، ومشاعر ضاعت في اللحظة الخطأ، وأشخاص لم يدركوا قيمة بعضهم إلا بعد فوات الأوان.


كان ياسر شابًا هادئًا، لا يُحب لفت الانتباه، يعيش حياته ببساطة، ويؤمن أن الهدوء هو أفضل وسيلة للهروب من تعقيدات العالم. يعمل في شركة صغيرة، يقضي وقته بين العمل والمنزل، ولم يكن يبحث عن شيء يغيّر روتينه… إلى أن جاءت هي.


ريم، فتاة مختلفة، لا تشبه أحدًا. كانت تحمل في داخلها طاقة غريبة، تجعلها تبدو وكأنها تعيش في عالم خاص بها. تحب الرسم، وتعبر عن مشاعرها بالألوان بدل الكلمات. لم تكن كثيرة الحديث، لكنها عندما تتكلم، تُصغي لها القلوب قبل الآذان.


التقيا في مكان بسيط، داخل معرض فني صغير. كان ياسر يمر صدفة، بينما كانت ريم تعرض لوحاتها لأول مرة. توقّف أمام إحدى اللوحات، كانت تحمل مزيجًا من الألوان الداكنة، وكأنها تصرخ بشيء مخفي. لم يفهمها، لكنه شعر بها.


اقتربت منه ريم وسألته بهدوء: "ماذا ترى؟"

تردد قليلًا، ثم قال: "أرى حزنًا… لكنني لا أعرف سببه."

ابتسمت ابتسامة خفيفة، وقالت: "هذا يكفي."


من تلك اللحظة، بدأ كل شيء.


صار ياسر يزور المعرض مرارًا، حتى بعد انتهائه، فقط ليجد سببًا لرؤيتها. ومع الوقت، بدأت بينهما علاقة هادئة، خالية من التعقيد، لكنها مليئة بما لا يُقال. لم يكونا بحاجة للكثير من الكلمات، فالنظرات كانت كافية أحيانًا.


كانت ريم ترى في ياسر الأمان الذي لم تجده من قبل، وكان هو يرى فيها الحياة التي كان ينقصه الشعور بها. لكنها، في أعماقها، كانت تخفي شيئًا لم تستطع البوح به.


مرت الأيام، وازدادت العلاقة عمقًا، لكن شيئًا ما كان يتغير. بدأت ريم تبتعد تدريجيًا، تقلّ لقاءاتها، وتختفي أحيانًا دون تفسير. حاول ياسر أن يسألها، لكنها كانت دائمًا تتهرب بإجابات غير واضحة.


كان يشعر أن هناك شيئًا يُقال بين السطور، لكنه لم يكن قادرًا على فهمه. ومع مرور الوقت، بدأ الشك يتسلل إليه، ليس في حبها، بل في صدق ما تعيشه معه.


وفي يومٍ لم يكن مختلفًا عن غيره، اختفت ريم تمامًا.


لا رسائل، لا اتصال، لا أي أثر.


بحث عنها ياسر في كل مكان، عاد إلى المعرض، سأل أصدقاءها القلائل، لكن لا أحد كان يعرف شيئًا. وكأنها تبخرت فجأة، تاركة خلفها فراغًا لا يمكن تفسيره.


مرت الأسابيع، وتحول القلق إلى ألم، ثم إلى صمت.


حتى جاء اليوم الذي تلقى فيه رسالة، لم تكن منها، بل من شخص غريب. أخبره أن ريم كانت تعاني من مرض خطير، وأنها لم ترغب في إخباره لأنها لم تكن تريد أن تكون عبئًا عليه.


شعر ياسر أن الأرض انهارت تحته. كل تلك اللحظات، كل تلك النظرات، كانت تحمل ألمًا لم يره. أدرك أنه كان قريبًا جدًا… لكنه لم يكن قريبًا بما يكفي.


حاول أن يصل إليها، لكن الوقت كان قد تأخر.


رحلت ريم بهدوء، كما عاشت، تاركة خلفها لوحات لم تكتمل، وقصة لم تُحكَ حتى النهاية.


عاد ياسر إلى المعرض، الذي أصبح فارغًا إلا من الذكريات. وقف أمام لوحتها الأخيرة، كانت مختلفة. ألوانها أقل حزنًا، وأكثر هدوءًا، وكأنها تقول شيئًا أخيرًا.


تحت اللوحة، وجد جملة صغيرة كتبتها بخط يدها:

"بعضنا يختار الرحيل بصمت… لأن الكلام لن يغيّر شيئًا."


جلس ياسر طويلًا أمامها، يحاول أن يستوعب كل شيء. لم يكن غاضبًا منها، بل من نفسه، لأنه لم يسأل أكثر، ولم يُصرّ على معرفة الحقيقة.


ومنذ ذلك اليوم، تغير كل شيء.


لم يعد ياسر ذلك الشخص الصامت الذي يهرب من التعقيد. أصبح يُدرك أن الصمت أحيانًا ليس راحة، بل خسارة. وأن بعض الكلمات، إن لم تُقال في وقتها، تضيع إلى الأبد.


وهكذا، بقيت قصة ريم وياسر واحدة من تلك القصص التي لا تنتهي بنهاية واضحة، بل تظل مفتوحة، تعيش في الذاكرة، وتُذكّرنا دائمًا أن ما لم يُقال… قد يكون أثقل مما قيل.

google-playkhamsatmostaqltradent