بين الأمس والآن

الصفحة الرئيسية

بين الأمس والآن: 


في مدينةٍ يختلط فيها صوت الماضي بصخب الحاضر، كانت هناك قصة لا تشبه غيرها، قصة تُحكى بين الذكريات أكثر مما تُعاش في الواقع. قصة عن شخصين جمعهما الزمن يومًا، ثم فرّق بينهما دون سابق إنذار، تاركًا خلفه أسئلة بلا إجابات.


كان كريم شابًا طموحًا، يسعى دائمًا إلى تحقيق أحلامه مهما كانت الصعوبات. لم يكن يخشى التعب، بل كان يرى فيه طريقًا للوصول. عاش حياة بسيطة، لكنه كان يحمل في داخله إصرارًا لا يُكسر. أما هي، سارة، فكانت نقيضه تمامًا. هادئة، عميقة، تؤمن أن الحياة ليست سباقًا، بل رحلة يجب أن نعيشها بتفاصيلها.


التقيا في الجامعة، حيث بدأت حكايتهما بشكل عادي، كأي صداقة عابرة. لكن مع مرور الوقت، تحولت تلك الصداقة إلى شيء أعمق. لم يكن هناك اعتراف واضح، ولا كلمات كبيرة، لكن كل شيء كان واضحًا في نظراتهما، في اهتمامهما ببعض، وفي خوفهما من فقدان تلك العلاقة.


كان كريم دائم الانشغال، يركض خلف مستقبله، بينما كانت سارة تنتظره في كل مرة، تؤمن أن يومًا ما سيتوقف عن الركض ويلتفت إليها. لكنها لم تكن تدرك أن بعض الأشخاص لا يتوقفون… إلا بعد أن يفقدوا ما كانوا يركضون من أجله.


مرت السنوات، وتخرجا من الجامعة، وبدأت الحياة تأخذ كل واحد منهما في اتجاه مختلف. حصل كريم على فرصة عمل خارج المدينة، فرصة لم يكن يستطيع رفضها. كانت خطوة كبيرة في حياته، لكنها كانت أيضًا بداية النهاية لما بينه وبين سارة.


في يوم سفره، التقيا للمرة الأخيرة قبل الرحيل. جلسا في مكانهما المعتاد، يتحدثان عن أشياء عادية، وكأنهما يتجنبان الحديث عن الشيء الوحيد الذي يهم. كان الصمت بينهما أثقل من أي كلمة.


وقبل أن يغادر، قال كريم: "سأعود قريبًا."

ابتسمت سارة، لكنها لم تقل شيئًا. كانت تعرف أن "قريبًا" قد تعني سنوات… أو ربما لا تعني أبدًا.


رحل كريم، وبدأت المسافات تكبر. في البداية، كانت هناك مكالمات ورسائل، ثم أصبحت أقل، ثم اختفت تدريجيًا. لم يكن ذلك بسبب عدم الاهتمام، بل لأن الحياة بدأت تفرض نفسها، وكل واحد منهما انشغل بعالمه الجديد.


أما سارة، فقد بقيت في مدينتها، تعيش حياتها بهدوء، لكنها لم تستطع أن تنسى. كانت تمر على الأماكن التي جمعتهما، وتتذكر كل لحظة، كل كلمة، وكل نظرة. لم تكن تنتظره، لكنها لم تستطع أن تمضي قدمًا بالكامل.


مرت السنوات، وتغير كل شيء.


عاد كريم إلى المدينة بعد غياب طويل. لم يعد ذلك الشاب الذي كان يعرفه الجميع، بل أصبح شخصًا مختلفًا، أكثر نضجًا، لكنه يحمل في داخله فراغًا لا يعرف سببه. ورغم نجاحه، شعر أن هناك شيئًا ناقصًا، شيئًا تركه خلفه دون أن يدرك قيمته.


في أول يوم له بعد العودة، قرر أن يزور الأماكن القديمة، كأنه يبحث عن جزء من نفسه. وصل إلى ذلك المكان الذي كان يجلس فيه مع سارة، وجلس هناك، ينظر حوله وكأن الزمن عاد إلى الوراء.


وفجأة… رآها.


كانت تجلس في نفس المكان، كما لو أنها لم تغادره يومًا. لم تتغير كثيرًا، لكن في عينيها كان هناك شيء مختلف، شيء يشبه الحنين… وربما الحذر.


تردد للحظة، ثم اقترب.


نظرَت إليه، والتقت عيونهما بعد سنوات من الغياب. لم تكن هناك كلمات في البداية، فقط صمت طويل، يحمل كل ما لم يُقال طوال تلك السنوات.


جلس بجانبها، وقال بهدوء: "عدت."

ابتسمت سارة ابتسامة خفيفة، وقالت: "أعرف."


تحدثا طويلًا، عن الحياة، عن التغييرات، وعن كل ما حدث. لكن بين كل تلك الكلمات، كان هناك سؤال واحد لم يُطرح: هل ما زال هناك شيء بينهما؟


أراد كريم أن يقول الكثير، أن يعتذر، أن يعترف أنه أخطأ حين تركها دون أن يقاتل من أجلها. لكنه لم يجد الكلمات. أما سارة، فقد كانت تستمع، لكنها لم تعد تلك الفتاة التي تنتظر.


وعندما حان وقت الرحيل، وقف كريم، ونظر إليها وكأنه يريد أن يقول شيئًا أخيرًا. لكنها سبقته، وقالت بهدوء: "بعض الأشياء جميلة لأنها حدثت… وليس لأنها استمرت."


فهم ما تقصده، حتى دون أن تشرح.


غادرا المكان، كلٌ في اتجاه مختلف، لكن هذه المرة، لم يكن هناك وعد بالعودة، ولا أمل في لقاء قريب. فقط ذكرى… ودرس.


وهكذا، بقيت قصتهما معلقة بين الأمس والآن، تذكرهما أن الحب وحده لا يكفي دائمًا، وأن التوقيت قد يكون أقسى من الفراق نفسه.

google-playkhamsatmostaqltradent