حين انطفأ الضوء:
في أحد الأحياء القديمة التي تتشابك فيها الأزقة كخيوط قدر معقد، كانت هناك حكاية لم يكن لها أن تُروى لولا أن الألم أصرّ على أن يترك أثره. حكاية تبدأ عادية، كأي يوم آخر، وتنتهي بشيء لا يشبه البدايات.
كان سليم شابًا بسيطًا، يعيش حياة هادئة إلى حدّ الملل. يعمل في ورشة صغيرة لتصليح الأجهزة الإلكترونية، ويقضي بقية يومه بين جدران منزله المتواضع، حيث يعيش مع والدته التي كانت كل عالمه. لم يكن يطمح للكثير، فقط حياة مستقرة وقليل من الطمأنينة.
في الجهة الأخرى، كانت هناك نور، فتاة مختلفة تمامًا. مليئة بالحياة، تحب الضحك، وتؤمن أن لكل إنسان قصة تستحق أن تُروى. كانت تدرس في الجامعة، وتحلم بأن تصبح كاتبة يومًا ما. لم تكن تخشى التعبير عن نفسها، وكانت ترى في التفاصيل الصغيرة جمالًا لا يراه الآخرون.
التقيا في موقف غير متوقع، كأن القدر قرر أن يجمع بين عالمين متناقضين. دخلت نور ورشة سليم ذات يوم وهي تحمل هاتفًا معطلًا، وكانت تبدو منزعجة. حاولت أن تشرح له المشكلة بسرعة، لكنه طلب منها أن تهدأ قليلاً وتعيد الكلام ببطء.
ابتسمت رغم انزعاجها، وجلست تنتظر. لم يستغرق إصلاح الهاتف وقتًا طويلًا، لكنه استغرق وقتًا أطول ليلاحظ تفاصيلها: طريقة حديثها، نظراتها، وحتى تلك الحيوية التي لم يعتد رؤيتها. وعندما انتهى، شكرته بطريقة جعلته يشعر أن ما قام به لم يكن مجرد عمل بسيط.
منذ ذلك اليوم، بدأت نور تزور الورشة كثيرًا، أحيانًا بحجة، وأحيانًا دون سبب. ومع كل زيارة، كان سليم يخرج قليلًا من صمته، ويتعلم كيف يضحك من جديد. أما هي، فكانت ترى فيه ذلك العمق الذي لا يظهر بسهولة، وكانت تحاول أن تكتشفه خطوة خطوة.
تحولت العلاقة بينهما إلى شيء أكبر من مجرد تعارف. كان هناك انسجام غريب، كأن كل واحد منهما يكمل الآخر بطريقة غير مفهومة. أصبحا يتحدثان لساعات، عن الحياة، عن الأحلام، وعن الخوف الذي يحاول كل منهما إخفاءه.
لكن الحياة، كما هي عادتها، لا تسمح للأشياء الجميلة أن تستمر دون اختبار.
بدأت المشاكل حين مرضت والدة سليم فجأة. تدهورت حالتها بسرعة، وأصبح عليه أن يتحمل مسؤوليات أكبر مما يستطيع. انشغل تمامًا، وابتعد عن نور دون أن يشرح لها ما يحدث. كانت تحاول التواصل معه، لكنه كان يرد ببرود أو لا يرد إطلاقًا.
شعرت نور بأنها لم تعد جزءًا من حياته. بدأت الشكوك تتسلل إلى قلبها، وبدأت تفكر أنه ربما لم يكن صادقًا معها كما ظنت. حاولت أن تواجهه، لكنه تهرب، ليس لأنه لا يهتم، بل لأنه لم يكن يعرف كيف يشرح ضعفه.
في أحد الأيام، قررت نور أن تنهي هذا الغموض. ذهبت إلى الورشة، لكنها وجدتها مغلقة. سألت عنه، فعرفت أن والدته في المستشفى وأنه لم يغادرها منذ أيام. شعرت بالصدمة، وبالذنب لأنها لم تفهم ما كان يمر به.
ذهبت إلى المستشفى، وبحثت عنه حتى وجدته جالسًا في الممر، يبدو عليه الإرهاق والانكسار. لم يكن ذلك سليم الذي تعرفه، بل نسخة أخرى، تحمل على كتفيها ثقل الحياة.
اقتربت منه بهدوء، وجلسَت بجانبه دون أن تقول شيئًا. نظر إليها، وكأن كل الكلمات التي لم يستطع قولها ظهرت في تلك النظرة. حاول أن يعتذر، لكنها أوقفته، وقالت: "أحيانًا لا نحتاج إلى تفسير، فقط نحتاج أن لا نُترك وحدنا."
في تلك اللحظة، فهم سليم أن الهروب لم يكن الحل، وأن القوة ليست في إخفاء الألم، بل في مشاركته.
لكن القدر كان قد كتب فصلًا آخر.
لم تمضِ أيام حتى توفيت والدته، وانهار عالم سليم تمامًا. دخل في حالة صمت طويلة، ابتعد عن الجميع، حتى عن نور. حاولت أن تبقى إلى جانبه، لكنه أغلق كل الأبواب.
مرت الشهور، ونور تحاول، وسليم يبتعد. حتى جاء اليوم الذي قررت فيه نور أن تتوقف. ليس لأنها لم تعد تحبه، بل لأنها أدركت أن الحب وحده لا يكفي لإنقاذ شخص لا يريد أن يُنقذ.
تركت له رسالة قصيرة: "كنت أتمنى أن نواجه الحياة معًا، لا أن نهرب منها كلٌ على حدة."
اختفت من حياته كما جاءت، فجأة.
مرت سنوات، وعاد سليم إلى حياته تدريجيًا، لكنه لم يعد كما كان. تعلم الكثير، لكنه خسر أكثر. أما نور، فقد أصبحت كاتبة، وكتبت قصة لم تذكر فيها الأسماء، لكنها كانت مليئة بالمشاعر التي عاشتها.
وفي إحدى الأمسيات، كان سليم يتصفح كتابًا في مكتبة، حين صادف تلك القصة. قرأها، وتوقف عند كل كلمة، كأنها تحكي عنه. وعندما انتهى، أدرك أن بعض القصص لا تنتهي حين نفترق، بل تبقى تعيش داخلنا، تذكّرنا بما كنا عليه، وبما كان يمكن أن نكونه.
وهكذا، لم يكن انطفاء الضوء نهاية الحكاية، بل بداية فهم متأخر… لحب لم يُعطَ فرصته كاملة.
